الخميس، 30 يوليو 2020

العديسات وثورة البغدادى ( 3 )

قبل اكثر من مائة وخمسين عاما 

عاشت بالأقصر سيدة انجليزية غيرعادية 

لم تكن سائحة ولا عالمة ولا رحالة 

بل كانت سيدة مريضة 

جاءت  بعد ان نصحها الاطباء 

بالذهاب للأقصر للاستشفاء بجوها الجاف

 من مرض السل الذى اصاب رئتيها.

لوسى اوستين

انها لوسى اوستين كما سميت 

عند ولادتها فى 24/6/1824 م 

او لوسى دوف جوردون كما سميت 

 بعد زواجها من الكساندر دوف جوردون .

لوسى فى الاقصر 

حطت سفينة لوسى بالإسكندرية 

فى السابع والعشرين من اكتوبر 1862 م 

ووصلت لوسى الى الأقصر

 بعد شهرين فى 20/12/1862 م 

حيث اقامت فى منزل يسمى بيت فرنسا 

جنوب معبد الاقصر 

بيت فرنسا بالاقصر


وظلت لوسى طوال اقامتها بمصر 

تقضى شهور الشتاء بالأقصر 

وتتنقل خلال شهور الصيف 

ما بين القاهرة والاسكندرية والشام ولندن 

حتى وافاها الاجل فى 14/7/1869 م بالقاهرة .

ولفظت انفاسها الاخيرة  فى القاهرة 

لكنها ماتت وهى تتمنى العودة للأقصر 

والذهاب الى اسنا للاستمتاع بجوها الجاف 

عسى ان يطيل ذلك فى عمرها

 لكن الموت عاجلها 

وهى تتمنى ان تدفن بالأقصر

 وسط اصدقائها واحبابها 

حيث اعد لها القاضى قبرا وسط قبور 

اقاربه الفلاحين البسطاء كما تقول لوسى 

وبالقرب من اهل الاقصر الذين منحوها حبا غامرا   

واخلاصا بلا حدود ودعوات من القلب

 ان يشفيها الله من مرضها العضال 

والذى يبدوانه كان بلا علاج فى ذلك الوقت .

رسائل لوسى 


ترجع شهرة مدام لوسى الى الرسائل 

التى كانت ترسلها من الاقصر والقاهرة

 والاسكندرية واسنا واسوان ومن على متن المراكب النيلية 

 التى تستقلها عبر النيل اثناء ذهابها وعودتها

 فى هذه المدن وبلغ عدد رسائلها 130 رسالة 




حكت فيها عن كل ما سمعته او شاهدته 

فى مصر من افراح وموالد واحداث سياسية 

ومشكلات شخصية واجتماعية واقتصادية 

وما احاطها به المصريون من مشاعر دافئة 

واهتمام غير عادى حتى انهم اطلقوا عليها 

القاب عديدة مثل " الشيخة " و " الست " 

و " الست بتاعتنا " و " نور على نور " 


وعنون احد الكتاب الذين نشروا لها رسائلها كتابه بعنوان 

" السيدة التى احبت مصر (1).

ارسلت السيدة لوسى حوالى نصف رسائلها 

من الاقصر بداية من رسالتها الاولى المؤرخة 20/12/1862 م 

وحتى رسالتها الاخيرة فى ابريل 1869 م 

قبل وفاتها بثلاثة اشهر .

حكت لوسى عن كل ما شاهدته او سمعته بالأقصر



 عن احداث سياسية ضخمة 

مثل ثورة الشيخ الطيب احمد البغدادى 

والشخصيات المرتبطة بالثورة مثل الحاج مكى سلطان 

و الشيخ عبدالله البغدادى اخو الشيخ الطيب البغدادى 

وعن الشيخ يوسف الحجاجى 

يوسف الحجاجى

وعن كل من تعاملت معهم من اهالى الاقصر 

كانت مدام لوسى مسيحية كاثوليكية

 لكنها كانت من طائفة الموحدين الذين رفضوا التثليث (2)

مما جعلها اكثر قربا من المسلمين 

الذين فتحوا لها حتي مساجدهم فزارت مسجد عبدالرحيم القناوى 

وتبرعت لإنارة مسجد بقوص خلال شهر رمضان 

بعد ان صادر محمد على باشا املاك الاوقاف 

ورفض الصرف عليها بما يكفيها .


لوسى وثورة الطيب احمد البغدادي

تحدثت لوسى عن ثورة الشيخ الطيب احمد البغدادي

 وكان لها السبق فى ذلك 

وتعتبر رسائلها التى تحدثت فيها عن احداث الثورة 

المرجع الرئيسي والأساسي لكل من كتب عن الثورة 

بعد ذلك باعتبارها مصدر اجنبي محايد – الى حد ما –

وكانت الرسالة المؤرخة فى 13/3/1865 م 

والتي ارسلتها الى امها هى اول رسالة ذكرت فيها احداث الثورة 


وبدأتها مطمئنة امها بانه لم يصبها سوء

 وذكرت في الرسالة ما سمعته عن احداث الثورة وانطباعاتها 

عن الثورة وقائدها الطيب احمد البغدادي 

وفى نفس الرسالة تحدثت

 عن زيارة الشيخ يوسف الحجاجي للسالمية 


وما قاله لها عن قائد الثورة 

ثم توالى حديثها عن الثورة فى رسائلها التالية 

بتواريخ 25/3/1865 م و 30/3/1865 م 

و3/4/1865م و 13/4/1865 م 

وتحدثت فى رسائل متناثرة اخرى
 عن امور تتعلق بالثورة 
ومن رسائل لوسى يتضح انها
 كانت تفرق بين
قائد الثورة الشيخ الطيب احمد البغدادى 
وبين الثوار ومطالبهم 
والمذابح والمآسي التى تعرضوا لها بعد انتهاء الثورة 
لوسى وقائد الثورة 
كانت مدام لوسى متأثرة للغاية برأى من حولها 
فى الشيخ الطيب فكتبت عنه انه شيوعى 
ومشعوذ وصديق للجن وتحدثت بسخرية 
عن خطره عليها وعلى من حولها 
وسخرت من احتمال هجومه عليهم 
- والذى لم يحدث - 
وقالت انهم فى انتظار زيارته لهم 


ولم تتعاطف معه ابدا وقالت انه 
تسبب فى خراب ثلاث قرى 
غير قرية قاو 


لوسى والثوار 
لكن مدام لوسي  كان لها رأى مختلف فى الثوار والقرويين 
وقالت ان سبب الثورة هى المظالم التى تعرض لها الناس
 وان اسباب الثورة ما تزال قائمة ويمكن ان تقوم ثانية
 فى اى لحظة وكانت تستغرب من سكوت الناس 
على المظالم وتعايشهم معها واعتيادهم عليها 
وسخرت من الخديو اسماعيل ورجاله
الخديوى اسماعيل

 ومن المظاهر التى يحاول بها التشبه باوربا
 مثل مجلس النواب وحكت عن مقابلتها بعض 
من الاعضاء فى مجلس النواب من النوبيين 
ووصفتهم بانهم كانوا خائفين منكمشين وقالت لهم 
انكم سوف تشاركون فى حكم بلادكم " 
فردوا عليها هل تسخرين منا سيدتنا ؟ 
ومن على ضفاف النيل يستطيع ان يتكلم او يبدى رأيه ؟
وانت تتحدثين عن الكلام بحضرة الخديوى نفسه
 ان جلسة مجلس النواب ستتم فى القلعة
 وما فعله محمد على فى المماليك 
ممكن ان يتكرر معنا لكن هذه المرة ستكون سرا


ومثلما تحدثت لوسى عن الشيخ سلطان - مكى سلطان - 
وابدت تعاطفا واضحا معه  ومع اقاربه  و انصاره ومحبيه 
 حتى انها وافقت ان تحمل جرارا - جمع جرة - 
من الجبن والعسل - من احد اتباع الشيخ مكى - 
لاحفاده فى الجامع الازهر بعد ان قابلته 
على متن المركب المسافر عبر النيل 



 تحدثت كذلك عن الشيخ عبدالله البغدادى
 شقيق الشيخ الطيب احمد قائد الثورة ووصفته 
بالرجل المهذب الوقور وقال انه تم القبض عليه 
وترحيله مع  الحاج سلطان 


لكن ماذا فعلت مدام لوسى لتوضيح ما تعرضت له
 قرى الثورة من ابادة بالمعنى الحرفى للكلمة 
خاصة ان الشيخ يوسف الحجاجى طلب منها 
اخبار الصحف الانجليزية بما جرى لقاو واهلها 
من مذابح وظلم ونفى وتهجير الى الشمال والجنوب 


علما بأن جانيت روس ابنة مدام لوسى 
صحفية بالجاردن البريطانية بالقاهرة 
لكن مدام لوسى وفى رسائلها 
عن احداث ثورة البغدادى 
لم ترسل لابنتها جانيت 
سوى رسالة واحدة بتاريخ 25/3/1865 


تطمئنها فيها على نفسها وانه لم يتعرض لها الطيب بالايذاء 
وانهم مستعدون له ان هاجم الاقصر - او شرفها بالزيارة - 
ولا يبدو في رسائلها اي اشارة مباشرة 
لاحد ان يتحدث في امر الظلم الذي سمعت عنه لوسي 
للصحف الانجليزية او غيرها
 لكنها وللامانة قصت مظالم ومآسي عديدة 
مما جري للمصريين وكان لها الفضل فى التعريف
 بما جرى لهم بعد ثورة الشيخ الطيب احمد البغدادى  

ال البغدادى وثمن الثورة 

كان الثمن الذي دفعه ال البغدادى لثورة ابيهم 
الشيخ احمد البغدادى كبيرا 
لكن الثمن الذي دفعوه للثورة الثانية 
التى قادها الشيخ الطيب اغلى وافدح 
فقد تمت مصادرة اراضى واسعة لهم 
من منطقة الرديسية وحتى العطوانى 


كما تم نفى  ابن الشيخ احمد البغدادى
 الشيخ عبدالله اخو الشيخ الطيب 
الذى تحدثت عنه لوسى 
واخوة الشيخ احمد البغدادى الصادق وعمر وعثمان 
هؤلاء تم ترحيلهم عقب ثورة الشيخ الطيب 


وقد بقى الشيخ عبدالله بالسودان وله ذرية هناك حتى الان 
كما بقى عمه الشيخ الصادق وانشا قرية " حلة الطيب " 
التى اسماها على اسم اخيه الشيخ الطيب 
وله ذرية هناك حتى الان 


اما الشيخ عمر فقد عاد الى مصر 
واقام فى موطن اجداده بقرية البحيرة بادفو
 وما زال احفاده يعيشون هناك 


لكن الشيخ عثمان عاد الى قرية  البغدادى بالاقصر 
وعاش فيها وما زال احفاده بالقرية
واخيرا 
رحل الخديوى اسماعيل وماتت ذليلا منفيا
 فى الاستانة بعد ان تم عزله  
وبقى الشيخ احمد البغدادى وابنه الشيخ احمد الطيب 
وسيرتهما الطيبة وبطولتهما فى الكفاح ضد الظلم والظالمين 
يفخر بها احفادهم فى الاقصر واسوان والسودان 
رحم الله الشيخين واجزل لهما المثوبة والعطاء 
جزاء دفاعهما عن الحق ونصرة اهله 
**
ناصر عبدالعزيز على 
***************************
الهوامش 
1- "رسائل من مصر - لیدي دوف چوردون.. المرأة التي أحبت مصر" للأستاذ ماجد محمد فتحي  دار سطور.
2- رسائل من مصر ليدى دوف جوردون ترجمة ابراهيم عبدالمجيد دار الياسمين 2020
3- الصور الخاصة بالشيخ البغدادى اهداء من الاستاذ احمد عبدالحق حفيد الشيخ احمد البغدادى 
 

ليست هناك تعليقات: