الخميس، 30 يناير 2020

العديسات وثورة البغدادى ( 1 )



صرخات استغاثة
 لامرأة خائفة مرعوبة
 تقترب شيئا فشيئا 
فتقطع على الشيخ العاكف فى خلوته على النيل 
وحدته وسكونه .

يترك الشيخ خلوته 
ويهب لنجدة صاحبة الصوت 
فإذا به يرى امرأة مذعورة تجرى نحوه 
وتطلب منه الحماية والنجدة
يحاول الشيخ تهدئه روعها 
وبث الامان والطمأنينة فى نفسها 
ويعدها بمساعدتها والوقوف بجانبها مهما حدث 
فتهدأ وتبدأ فى حكاية قصتها 
وتقول انها جارية مسلمة 
لثرى غير مسلم
وقد هربت منه
 بعد ان حاول معاشرتها كجارية 
له لكنها رفضت وابت
 فهى تقرأ القرآن وتصلى وتصوم



يكرر الشيخ كلماته المطمئنة ووعده بحمايتها .
وبينما هما كذلك
 اذ يأتى من بعيد رجل ،
 وبعد ان يصل للشيخ
 يخبره انه مالك الجارية وسيدها 
وانه يريد ان يستردها بعد ان هربت منه
 فيبدأ الشيخ عرضه عليه ان يشتريها منه
 بأى ثمن يحدده الرجل 
بل ويعطيه كيسا ممتلئ بالنقود 
لعله يرضى ببيع الجارية 
الا ان الرجل يرفض ويأبى 
ويصمم الا يعود الا بالجارية
 فيحتد عليه الشيخ 
ويصل الامر الى التشاجر
 فيهرب الرجل ويترك الجارية .


بسرعة البرق ينتشر الخبر 
فى كل ارجاء القرية 
فالقصة بها كل انواع الاثارة والتشويق والرغبة 
التى تغرى كل سامع
 ان يهب ليرى او يشارك او حتى يعرف .
حمل الرجال فؤوسهم وعصيهم 
وهبوا لنجدة الشيخ والجارية .
تتطور الامور بسرعة 
فيذهب صاحب الجارية الى شيخ الخفراء 
الذى يحضر معه الى الشيخ
 لكن الشيخ يكرر رفضه 
ونفس الامر مع مأمور القسم 
بدأت الجموع تحيط بالشيخ لتندلع الثورة
 حيث ينضم كل الساخطين والفقراء 
والغاضبين من السلطة 
ويشارك فى الثورة الجميع
 من مسلمين واقباط 
حيث لم يستثنى الظلم احد 
فالكل يعانى وعانى 
من ظلم الخديو واعوانه 
كما تحكى مدام لوسى دوف جوردون 
علي لسان احد المصريين من معارفها قائلة


" تعبت من الحديث كل يوم
 عن الاضطهاد واللصوص 
اذا امتلك الفرد خروفا 
يأتى  المدير ويأكله 
واذا امتلك ثمار شجرة تذهب الى مطبخ الناظر "
لم تقتصر الثورة على القرية التى كان الشيخ موجودا فيها 
بل امتدت كالنار فى الهشيم
 الى القرى والمدن 
ثم المديريات المجاورة 
واصبح الشيخ زعيما ثوريا 
على نطاق واسع حيث اعلن مبادئه واهدافه 
التى سيناضل من اجلها. 
انه يسعى لنشر العدل والمساواة 
ويرغب فى توزيع عادل للثروات 
كما يقص احد المصريين للسيدة لوسى جوردون


واصفا قائد الثورة  قائلا 

" انه يريد ان يقسم كل الممتلكات بالتساوى 

هو يريد حتى ان يكسر ساعتك  

ويعطى كل رجل قطعة مكسورة منها 
وهكذا فى كل شئ " .
انضم الى الثورة الالاف  
وكان هدفهم بالفعل اسقاط حكومة الخديو 
فشنوا هجمات متتالية 
على البواخر النيلية للتجار الاوربيين 
الذين كانوا ينهبون خيرات القرى 
بعدما اتخذ هؤلاء التجار من قنا مقرا لهم 
تحت رعاية الخديو 
الذى اطلق يدهم للسلب والنهب المنظم ،
استرضاء لدولهم التى كانت تمنحه القروض المالية 
حتى احتلت هذه الدول مصر فى النهاية .
                          هاجم الثوار ابعديات الاتراك واعوان الخديو
                               وكبار رجاله حيث كان المصريون .
                                       يعملون بالسخرة فيها 
تحكى مدام لوسى على لسان مصريين يقولون لها



" لا يوجد من هو اكثر بؤسا منا نحن المصريين
 فى كل العالم 

الاتراك يضربوننا 
والاوربيون يكرهوننا 

ويقولون اننا نستحق ما يحدث 
الاحسن لنا ان نضع رؤوسنا فى التراب 

ونترك الاغراب يأخذون محاصيل قطننا لهم " .
استمر البغدادى فى ثورته 
ولجأ بصحبة مجموعة من الثوار 
الى الجبل حيث كان يخطب فيهم ويحرضهم على الثورة 
حتى تحول الشيخ الى شخصية اسطورية 
كما تقول مدام لوسى فى رسالتها بتاريخ 3/4/1865 م .
وانشأ الشيخ دولة خاصة للثوار
 كما يقول على مبارك 
انه جعل من جماعته 
" سر عسكر وضباطا كترتيب الجهادية " 

الخديوى اسماعيل
لم يقف الخديو ودولته موقف المتفرج 
تجاه الثورة والثوار 
بل ارسل تجريدة عسكرية مؤلفة من عدة مراكب 
محملة بالجنود 
فامر الشيخ اتباعه بالتصدى لها 
والقاء الحجارة على المراكب لاغراقها 
فرجعت التجريدة 
بعد ان رأت الثوار يحملون الفؤوس والعصى 
وادرك الخديو ان ما يحدث ثورة حقيقية
وليس تمردا محدودا .
                                         امر الخديو بتشكيل تجريدة اخرى
                                            اكبر حجما مسلحة بالمدافع
                                               بقيادة اسماعيل ابوجبل

اسماعيل ابوجبل

واتجهت للقضاء على الثورة .
وحدث الاشتباك 
وبالتأكيد ليس هناك وجه للمقارنة 
بين قرويين 
لا يملكون الا ايمانهم بحريتهم 
وحقهم فى العيش بكرامة 
ومسلحين ببعض العصى والفؤوس ،
وبين اخرين 
يملكون مراكب بخارية واسلحة حديثة ومدافع
 وتقف وراءهم دولة الخديو
 وتساعده دول 
لا هم لها الا الاستمرار فى سلب ونهب المصريين .
لجأ الشيخ الى الجبل بعد المعركة 
وطاردته الحملة الخديوية 
فقال جملته الشهيرة
 " يا صاحب الجبل عليك بابى جبل "
يقصد قائد التجريدة المهم ان الشيخ اختفى بعده 
ولم يعثر له على اثر .
وبدأت بعد ذلك واحدة من ابشع انواع الانتقام 
من الثوار حتى انه تم ابادة قرى باكملها ومحوها 
من على الخريطة بالمعنى الدقيق والفعلى لكلمة محو . 

يقول على مبارك

على مبارك

عن قرية قاو مركز الثورة 

" تلك القرية بادت !!!
 دكت دكا !!!!
واصبحت يوم الغارة 
كومة من التراب "

ولم يسلم كل من له ادنى شبهة بالثورة 
من اشد انواع التنكيل 
كما تكمل لوسى



" امر فاضل باشا الجند 
ان ينيموا ستين رجلا على ظهورهم 

فوق الارض عشرة عشرة 
ثم يقطعون رؤوسهم بالفؤوس الحادة 

لقد قدر من قتل بالف وستمائة " 

ومارس الجنود ابشع انواع الانتقام 
حيث تقول لوسى 
" حدثنى شاب محترم 
عن تعفن الجثث التى تركت بلا دفن 
بأوامر من الباشا 
من جثث نساء حاملة اطفال 
ولم يقتصر الامر على المسلمين فقط 
بل شمل اقباطا 
حيث حكى لى صديق قبطى انه فقد كل عائلة عمه فى قاو " 
وتواصل لوسى 
" الباشا - تقصد الخديو - يقوم بالخداع 
ام تم خداعه 
اتمنى الاخيرة ان امرا منه 
يوقف ذبح النساء والاطفال " 

وتتحدث لوسى فى رسالة اخرى 
" ليس لدى شك فى ان السبب الحقيقى للقلاقل 
هو الجوع وارتفاع سعر الطعام 
كان مثل انتفاضتنا - تقصد الانجليز - 
من اجل الخبز لا اكثر "  

وتعرضت قرية الشيخ " السلمية " لانتقام السلطة 



فقد عاث الجنود فيها وانتقموا من اهلها كما تذكر مدام لوسى




" من السلمية على يعد ميلين جنوب الاقصر 

اخذ كل رجل وامرأة وطفل على اى صلة 

بالشيخ احمد الطيب - البغدادى - بالامس تم القبض على

اخو الشيخ والحاج سلطان ورحل الى قنا 

ولا يتوقع ان يعود احد - منهم - حيا "



وعن الشيخ مكى سلطان تتحدث مدام لوسى 

فى رسالتها بتاريخ 14/4/1965 م قائلة 

" بالنسبة للحاج سلطان - تقصد الشيخ مكى سلطان - 

تم القبض عليه ورحل الي  قنا او القاهرة لا ندرى  وذهبت عائلته الى اسنا "

 وتتحدث لوسى
 عن الظلم الذى تعرض له الشيخ مكى سلطان 

وتبرئه قائلة 
" لم يكن هناك احسن منه - تقصد الشيخ مكى سلطان - 
ولا اكثر ليبرالية ( حسن معاملة ) للمسيحيين

لقد قبض عليه هناك لانه حمو 

والد احمد الطيب ( تقصد والد زوجه ابو احمد الطيب )
ولكن السبب الحقيقى انه غنى 

وبعض الاعداء ( الخصوم ) يشتاقون لثروته " 

وتذكر ان كثيرين عبروا لها عن حزنهم الشديد 
على ما جرى للشيخ مكى سلطان 
 واكدوا لها انه سيصيبهم اليأس 
لو جرى شئ - لا قدر الله -  للشيخ مكى سلطان 
وان مصير من يفعل الخير للناس سيكون كذلك 

بل تقول ان بعض الاشراف قد حضروا اليها 
وطلبوا منها ان تزور الشيخ فى سجنه بقنا
وتحمل اليه نقودا وطعاما  لانه لن يشك احدا فيها 
ولن يجرؤ ان يمسسها احد بسوء 

ويتفق معها فى الرأى الاستاذ المرحوم عبدالله عبدالعزيز مكي 


فى كتابه 
 حول السبب الحقيقى للقبض على الشيخ مكى سلطان 
وان خصوما له قد وشوا به عند السلطة .
،،،،،،،،،،،
هكذا انتهت قصة ثورة الشيخ البغدادى - الابن- 
 الثورة التى شملت الاقصر وقنا واسيوط 
وصلت حدتها الى ان يحضر الباشا بنفسه 
الى جرجا كما قالت مدام لوسى 
لمتابعة قمع الثورة والقضاء عليها .

انها الثورة المنسية كما تصفها الدكتورة زينب ابوالمجد 
استاذة التاريخ فى جامعة اوبرلين الامريكية 
والتى كتبت كتابا 
حول ثورات الصعيد المنسية
واهمها هذه الثورة . 
سميت هذه الثورة 
" ثورة الفؤوس " 
وسميت " الثورة المنسية "
 واطلق البعض على قائدها
 " جيفارا الصعيد " 
بينما وصفته مدام لوسى بانها اشتراكى .
،،،،،،،،،
اما عن موقع قرية " قاو " حاليا والخلاف حولها
 واين انطلقت شرارة الثورة
 هل انطلقت من " السلمية " 
اثناء زيارة الشيخ البغدادى 
لاقاربه آل الشيخ سلطان بنجع علوان
 ام فى موطنه 
بقرية البغدادى جنوب الاقصر
 ام فى قرية جاو .

هذا ما سنحاول معرفته

 فى الموضوع القادم اعدكم انه لن يتأخر باذن الله  
هوامش 
* مدام لوسى دوف جوردون سيدة انجليزية عاشت بالاقصر وقت ثورة البغدادى وكتبت عنها فى رسائلها لاسرتها .
* المقصود بالشيخ هو الشيخ  الطيب بن الشيخ احمد عبيد مسعود البغدادى مؤسس قرية البغدادى بالاقصر .
* حدثت وقائع هذه الثورة بين عامى 1864 و 1865 زمن الخديو اسماعيل  
المراجع :
1-  Letters from Egypt Lady Duff Gordon's
2- الحاج سلطان والحاج رضوان  الشيخ عبدالله عبدالعزيز مكى 
3- ثورة الفؤوس بوابة الحضارة صحيفة الاهرام 
4- الخطط التوفيفية على مبارك 
5- حكايات منسية محمد امير
6- مدونة الشاذلى بن عباس الجعفرى